ثروت الخرباوى يكتب : حدوتة للرأى العام

ثروت الخرباوى

ولدى الحبيب «الرأى العام»، سأحكى لك اليوم بعض الحكايات من باب التسلية، فقد عرفت أنك لا تستطيع أن تكون صاحب تأثير على أحد، كما عرفت أن الرأى هو رأى القوى صاحب المال والسلطة، وبما أنك ضعيف مهيض الجناح فيستحسن أن تسمع منى تلك الحواديت حتى تنام فى هدوء ودعة، يحكى أنه فى سابق العصر والأوان فى بلاد «الزعربان» كان هناك طفل صغير بلغ السابعة من عمره اسمه «عفروتان»، وفى أحد الأيام أعطته والدته مصروفاً فأسرع به واشترى حلواه المفضلة، وكانت تلك الحلوى هى البسبوسة، وقبل أن يأخذ الصبى الصغير أول قضمة أخذ يفكر فى المال الذى أنفقه، ثم أجرى مقارنة سريعة، أيهما أفضل لديه؟ المصروف الذى أنفقه؟ أم البسبوسة التى اشتراها؟ هداه تفكيره إلى أن المصروف ما سمى ذلك إلا لأننا نصرفه، والبسبوسة ما سميت بسبوسة إلا لأنها تتبسبس، وبما أن الصبى لا يعرف معنى تتبسبس فقد قرر أن يبيع تلك القطعة التى اشتراها ليستعيد مصروفه، فقام بتقسيمها إلى عدة قطع ثم قام بتغليف كل قطعة بغلاف أنيق، ثم وقف على باب النادى يبيع بسبوسته فكسب من ذلك مكسباً عظيماً، وكانت تلك هى أول صفقة تجارية للطفل «عفروتان»، وكبر الطفل وكبرت أمانيه، إلا أن البسبوسة ظلت عالقة فى ذاكرته لا تغادرها أبداً، لدرجة أنه بعد أن أصبح واحداً من كبار تجار السيارات والموتوسيكلات والتكاتك فى بلاد الزعربان، لا ينى يبيع البسبوسة للعمال على أبواب المصنع بعد كل صفقة تجارية كبيرة. ولك يا ولدى «الرأى العام» أن تفرح فرحاً شديداً من نجاح رجال الأعمال فى تحويل بلادهم إلى دولة صناعية تستطيع أن تجمع أجزاء التكاتك والموتوسيكلات، بل وصل الأمر من فرط نجاحهم إلى تجميع أجزاء السيارات، فأصبحوا فى غير حاجة إلى مدينة الحرفيين، تلك المدينة البائسة التى يجلس فيها عم «طارق دوكو» فى ورشته التى على قارعة الطريق ليمارس هواياته فى تجميع أجزاء السيارات التى تفككت فى الحوادث المروعة بمساعدة جاره وصديق عمره عم «محمود النسر» سمكرى السيارات الماهر. ومرت الأيام يا رأى يا عام واستطاع التاجر الأريب «عفروتان» أن يقيم مصنعاً فيه خطوط إنتاج لتجميع السيارات والتكاتك والموتوسيكلات، وقد زاد هذا من رصيده زيادة كبيرة بعد أن كان يكتفى ببيع إطارات الكاوتشوك التى هى تجارة العائلة أباً عن جد، ويحكى فى العائلة العفروتية أن عفروتان عندما دخل فى مدارج الشباب ونبت الشعر على عارضيه وبلغ مبلغ الرجال هداه تفكيره أن يقوم باستيراد صفقة إطارات كاوتشوك بمليون ومائتى ألف دولار، إلا أن والده تعجب من تهور الولد وظن به الظنون، ونصحه وأكثر من نصحه، وقال له إنك لن تستطيع أن تبيع تلك الإطارات ولا فى عدة أشهر، فالسوق المصرية لا تتحملها، كما أنها أعلى سعراً من مثيلاتها، وستظل تلك الإطارات راكدة فى المخازن فتكلفك ما لا تطيق، ثم أردف قائلاً: أنت لا تصلح أن تكون صاحب شركة أو رجل أعمال، وقد بلغت من لدنى عذراً، ولكن الشاب صاحب الطموحات دخل فى الصفقة واستورد الإطارات ثم باعها، فى كم؟ فى شهر؟! لا، فى سنة؟! لا لا، ولكن فى يوم، تباع الإطارات وتنام الأموال فى الخزينة، واللهم لا حسد فقد كسبها حقاً بعرق جبينه لا يمارى أحد فى ذلك!. وبالرفاء والبنين، تزوج الشاب الناصح عفروتان وأنجب ابنة كانت كفلقة القمر، ما أن وقع نظره عليها حتى أسماها «ليا» وهو من خير الأسماء العبرية التوراتية، ويقال فى الكتب القديمة إن زوجة سيدنا يعقوب اسمها «ليا» فكان اسمها هو طالع السعد، إذ استقدم عفروتان العرافين ليدلوه على طالعها ومستقبلها، فنصحه المنجمون بالحفاظ على الوليدة «ليا» ورعايتها لأنها ستدر عليه فى مستقبل الأيام كنوز الأرض كلها، لدرجة أنه سيضطر من فرط مكاسبه أن يشترى محل بسبوسة بكامله، وعندما سألهم عفروتان عن طبيعة الكنوز التى سيجنيها من وراء وليدته الجميلة، قال له المنجم الأكبر «أبو الأقمصة»: كنزها هو القرار الوزارى، فتعجب عفروتان أيما تعجب! فمبلغ علمه أن القرار الوزارى لا يغل ريعاً ولا ربحاً، بل إنه قد ينتقص من مال الرجل، ولكن «أبو الأقمصة» بشره بالخير العميم فهدأ بال عفروتان وقر عيناً بوليدته وقرارها الوزارى. وكان أن حفظ عفروتان الوصية، وأحاط وليدته بكل رعاية، حتى كبرت وأصبحت وردة يانعة تنتظر قطافها، وبعد أن تأكد عفروتان أن ابنته وصلت إلى مرحلة مهمة من عمرها الصغير، أرسل لكبير المنجمين «أبو الأقمصة» فجاء له الرجل مهرولاً، فسأله عفروتان: هل آن أوان زواج جميلة الجميلات ابنتى ليا؟ فقال له المنجم: انتظر إلى أول شهور الربيع العربى، واذهب إلى الجونة فهناك سيكون الفرج.. ثم استدرك المنجم قائلاً: عفواً أقصد سيكون الفرح، فقال له عفروتان: عفواً يا سيدى المنجم أريد أن أعرف من هو الذى سيفوز بابنتى ويصبح لها عريساً؟. أخذ المنجم يفكر ويفكر ثم نظر إلى السماء وسكت هنيهة وكأنه غط فى سبات عميق، ثم قال: عريس ابنتك هو القرار الوزارى! تعجب عفروتان وضرب كفاً بكف، هل هذا يعقل! أأزوج ابنتى من قرار وزارى، وما الذى سأقوله للناس وابنتى جالسة فى الكوشة مع قرار! قل لى بالله عليك يا منجم كيف سيدخل عليها القرار؟! وهل معنى ذلك أن المهنئين بالزواج سيقولون لها بالرفاء واللائحة التنفيذية! وهل سيأتى الوقت الذى تنجب فيه ابنتى مذكرة تفسيرية؟! إن هذا لشىء عجاب، واستطرد عفروتان قائلاً للمنجم وكأنه يخاطب نفسه: إن هوانى بين الناس سيكون كبيراً وقتئذ، لن أستطيع أن أريهم وجهى، بل لن أستطيع أن أسير على أى إفريز فى أى شارع من الشوارع، وإذا اضطررت للخروج فلن أنظر للسابلة أبداً وسأدارى وجهى عنهم، أضف إلى ذلك أننى سأحرم من متعتى الكبرى فى بيع البسبوسة، قال المنجم أبو الأقماص: لا تجزع يا أخى فإن زواجها من القرار الوزارى هو الخير كله كما سبق وقلت لك، فاذهب الآن إلى كنيستك وأوقد شمعة للعذراء أم النور لعلنا جميعاً نأخذ العبرة منها. وجاء الربيع العربى، وإذا بشاب كالبدر فى تمامه اسمه عفيف النورى يتقدم للزواج من «ليا»، فتحير «عفروتان»! أيقبل أم يرفض؟ إن «عفيف» شاب جميل وله مستقبل، إلا أنه ليس قراراً وزارياً، هو إنسان من لحم ودم، وهو يستحق حقاً أن يكون عريساً لابنته تلك الفتاة الطيبة المؤمنة دمثة الأخلاق فاعلة الخيرات، وكالعادة جاء المنجم أبو الأقمصة مهرولاً ليجيب عن أسئلة عفروتان، وفى هذا اليوم عرف الأب القلق أن عريس ابنته هو بعينه القرار الوزارى، حيث شاءت رحمة الله أن يتنزل عليهم هذا القرار فى صورة بشر سوى. كان والد «عفيف النورى» وقتئذ وزيراً للسياحة فى بلاد الزعربان، ومجالات عمل نسيبه عفروتان لا علاقة لها بالسياحة، وحدث فى إحدى وزارات ما بعد ثورة يناير أن أصدرت وزيرة للتجارة والصناعة قراراً بحظر استيراد التكاتك والموتوسيكلات سواء كانت كاملة أو عبارة عن قطع يتم تجميعها فى مصر، وذلك لخطورة تلك الوسائل على الأمن العام، ولك أن تعلم أيها «الرأى العام» أن هذا القرار مع خطئه وسطحيته إلا أنه سبب خسارة مالية كبيرة لفئتين من الناس، أولهما المستوردون، وثانيهما أكبر تاجر يقوم بتجميع مكوناتهما وبيعهما فى السوق، وهو عفروتان، وما أن جاء والد العريس المرتقب «النورى بك» يتهادى إلى وزارة التجارة حتى تحققت النبوءة، والمجد لله فى الأعالى وعلى الناس المسرة، والله أكبر، فقد قرر الوزير النورى تعديل القرار فجعله يسمح باستيراد المكونات مع استمرار منع استيراد التكاتك والموتوسيكلات بحالتهما الكاملة، فدارت خطوط الإنتاج واحتكر عفروتان بيع التكاتك والموتوسيكلات وهلك المستوردون وعاش العروسان فى تبات ونبات وأنجبا قوانين وقرارات، وتوتة توتة خلصت الحدوتة، وغط الرأى العام فى سبات عميق، ليكتب الكاتب فى المقال المقبل حدوتة الفتوات، عن الحديد واتفاقية الجات.

بواسطة belaad بتاريخ 5 يناير, 2019 في 09:32 صباحًا | مصنفة في مقالات | لا تعليقات

اترك تعليقا